الأستاذ عادل شالوكا في الرد على دُعاة الدولة المدنية ومُنتقدي "العلمانية" – (2-2)

الأستاذ عادل شالوكا 
في الرد على دُعاة الدولة المدنية ومُنتقدي "العلمانية" – (2-2)

عادل شالوكا

توطئة :

في المقال السابق تناولنا ما جاء في مقال المحامي عبد المطلب عطية الله : (في فض الإشتباك بين دُعاة الفصل والدمج بين الدين والدولة)، وكيف حاول الخلط بين مفهوم الدولة العلمانية والدولة المدنية لتشويه العلمانية من جهة، والترويج للدولة المدنية  من جهةٍ أُخرى. كما حاول عكس مزايا العلمانية بإعتبارها صفات الدولة المدنية في إطار هذا الترويج. وكيف حاول إستخدام الحُجَّة والحيلة بأن ظروف نشأة وتطوُّر الدولة العلمانية غير متوفِّرة في السودان ولذلك لا يجب نقل هذه التجربة (العلمانية) إلى السودان، حيث قام بإستدعاء التجربة الغربية بصورة إنتقائية، وزعم بإن التشابُك بين الدين والدولة هو مُجرَّد جدل فلسفي مُستلف من واقع تاريخي مُختلف نشأ في أوربا خلال فترة سيطرة الكنيسة على مفاصل السلطة السياسية – مؤكِّداً إنه في الحالة السودانية فالأمر لا يتعلَّق بالبناء الدستوري أكثر من كونه تدابُر فلسفي بين النُخب وسجال بين الأطروحات والمشاريع الآيديولوجية والسياسية بين اليمين واليسار الذي تعاظم بسبب تسييس الإسلاميين للدين وفرض دولة بإسم الإسلام والتجربة القاسية التي مر بها السودانيين جرَّاء ذلك. وهو نفس موقف وفد الحكومة التفاوضي.
 سنواصل في هذا المقال ردنا على ما جاء في مقاله الذي قصد به مواجهة (دُعاة العلمانية) - كما أطلق عليهم.

النظام الديمقراطي .. هل يهضم حقوق الآخرين ؟ :

يتناقض الكاتب في الدعوة للديمقراطية وربطها بالأغلبية في مُحاولة منه لإيجاد حُجة بأن ينص الدستور على دين الأغلبية  بقوله : (لذلك  يُميِّزون دين الأغلبية بوضعية أخص عن الديانات الأخرى التي تُمثِّل أقلية السكان) - ويقصد بعض الدول الأوربية التي إستدل بها في حُججِه مثل (بريطانيا، السويد، الدنمارك، النرويج ...) – وأشار إلى بعض النصوص الدستورية مثل : المادة (25) من دستور (ليتوانيا) التي تنص على أن : (للكيان الإنساني الحق في أن تكون له عقيدة وأن يُعبِّر عنها بحرية). والمادة (26) التي تنص على : (حرية التفكير والإقتناع والعقيدة لا يُمكن تحديدها، فالآباء أو أولياء الأمور يتولُّون دون أي تحديد مُهمَّة التربية الدينية والأخلاقية لأولادهم حسب قناعاتهم). ويريد أن يربط ذلك بمسألة الأغلبية، وإنه من حقِّهم النص على ما يريدونه في الدستور.
وهذا يتطابق مع موقف الصادق المهدي الذي أعاب على الوثيقة الدستورية الموقَّعة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بإنها لم تنص على إن ( الإسلام هو دين أغلبية السودانيين) – و إن (اللغة العربية هي لغة البلاد الوطنية) ..!!!.
فالواقع يقول إن أوربا أو الدول التي ذكرها الكاتب في المقال لم تشهد صراعاً على أساس الدين ولا إضطهاداً دينياً ولذلك وجود مثل هذه النصوص لا تُسبِّب مشكلة في أوربا عكس الحالة السودانية التي وضِعت فيها مثل هذه النصوص : (إن الدين الإسلامي هو دين الأغلبية، وإن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع ... إلخ)، فنتيجة لوجود مثل هذه النصوص تم إستغلال الدين في السياسة وإندلعت الحروب المُدمِّرة، وإنفصل جنوب السودان بسبب التمييز الديني والإضطهاد ومُصادرة الحريات الدينية. وإستمرت هذه السياسات بعد إنفصال الجنوب ضد السودانيين غير المُسلمين. وبالتالي فإن مُقاربة الكاتب غير موضوعية، وليست منطقية.
فالديمقراطية تعني (شريعة الإختلاف)  التي تؤسِّس لواقع التنافس المفتوح Open competition على السلطة ومتلازماتها، وليس الصراع Conflict المُغلق عليها. وهي نظام يتطلَّب في الواقع عدة شروط إجرائية أهمها : الإستقرار الدستوري الذي يتأسَّس على فلسفة ومنظور الإختلاف كمصدر للحقوق، وعلمانية المعايير في التطبيق بإعتبارها قابلة للقياس والتحقُّق والتعديل، وبالتالي مشروعية التعميم، عكس اللاَّ علماني الذي يبقَى حقاً فردياً أو (جماعياً خاصاً) ومحصوراً في تطبيقه على مُعتقديه، ولا يجوز تعميمه على الآخرين وفرضه عليهم. وبالتالي فإن دعوتهم هذه تتناقض مع جوهر الديمقراطية وتُصادر حقوق الآخرين الذين يعتبرونهم (أقلية)، ويضعون أمامهم موانع (الدين – اللغة) تحول دون وصولهم إلى السلطة وإمتيازاتها. فأي دولة تحترم سكانها وتعاملهم بمساواة وبدون تمييز، تضع مباديء دستورية تكفُل الحرية والعدالة والمساواة بين جميع المواطنين للحفاظ على وحدة وتماسُك المجتمع – وأحياناً تكون هذه المباديء "فوق الدستور" لضمان عدم نقضها أو إلغائها أو تعديلها مُستقبلاً.

المباديء فوق الدستورية :

هي مجموعة من القواعد والأحكام يتم رفعها إلى مرتبة أعلى من مرتبة الأحكام الدستورية نفسها، فتكون مُطلقة ثابتة وسامية، مُحصَّنة ضد الإلغاء والتعديل عند تعديل الدستور أو تغييره أو حتى تعطيله، وتصبح فوق الدستور وحدَّاً عليه، ولا تجوز مُخالفتها بمواد دستورية أخرى، وتكون المحكمة الدستورية مُلزمة بمُراعاتها وتطبيقها، حتى لو لم تكن مُضمَّنة في الدستور - أحياناً تُصاغ في وثيقة مُستقِلَّة – وهي مباديء يتم التوافق عليها مُسبقاً، وقبل البدء في كتابة الدستور، ومن قبل جميع القوى والمُكوِّنات المُجتمعية الموجودة في البلاد دون إستثناء بغض النظر عن حجمها وموقعها ونسبة تمثيلها، والغرض منها إلزام السلطات القادمة والمُتعاقبة مهما كانت أغلبيتها البرلمانية وقُدرتها على الإنفراد بالسلطة، بالمباديء المُشتركة بين مُكوِّنات المُجتمع، وعدم تمكينها من تعديل الدستور بحسب رغباتها وتشريع قوانين تُهدِّد الحريات العامة وحقوق بعض المُكوِّنات.  مضمون هذه المباديء – عموماً – هو الحريات العامة والكرامة الإنسانية، وعدم التمييز بين المواطنين، وحقوق الإنسان الأساسية والتي يكتسبها الإنسان بمُجرَّد كونه إنساناً. وقد أصبحت حقوقاً عالمية حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة عام 1948، ثم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966. وكثيراً ما أصبحت تُضاف إلى الدساتير الوطنية وتُعطَى صفة السمو والثبات – يُضاف إليها كذلك مباديء أخرى تفرضها أحوال البلد وهمومه. فمشكلة تمثيل الولايات حضرت كمبدأ فوق دستوري في دستور الولايات المتحدة الأمريكية بعد الإستقلال. وتثبيت النظام الجمهوري فرض نفسه في الدستور الفرنسي كمبدأ أعلى. ومآسي ألمانيا بعد حربين عالميتين مُدمِّرتين فرضت نفسها على دستور 1948 عبر مباديء سامية تقطع الطريق على عودة التطرُّف والديكتاتورية من خلال اللعبة الديمقراطية (نظرية تحصين الديمقراطية). وكذلك تجربة جنوب أفريقيا وحاجتها لتصفية نظام التمييز العنصري (الأبرتهايد) وتعزيز المصالحة. ومن أشهرها أيضاً المباديء فوق الدستورية الواردة بالدستور التركي والتي كرَّست علمانية الدولة التركية.
تصبح الحاجة ماسة إلى هذه المباديء، ويرتفع الطلب عليها بشكل خاص في البلاد التي تحتاج إلى بناء نظامها السياسي والقانوني الجديد بعد المرور بفترة نزاعات عنيفة وحروب أهلية تؤدِّي إلى تحطيم الروابط المجتمعية والوطنية وأسُس التعايُش بين أبناء الوطن الواحد، وتُقسِّم الناس على أسُس ما قبل الدولة (طائفية – قبلية – إثنية – دينية) الأمر الذي يعني سيادة أجواء الشك والريبة والتوجُّس بين المكوِّنات المُختلفة في الدولة.
هذا بالضبط ما يحتاجه السودانيين لبناء دولة قوية ومُستقِرَّة وقابلة للحياة. فلابد أن تكون العلمانية وفصل الدين عن الدولة، بالإضافة إلى حق الشعوب السودانية في مُمارسة حق تقرير المصير متى ما رأت ضرورة لذلك، من المباديء الرئيسية التي ينبغي أن تكون فوق الدستور - من أجل تحقيق السلام والإستقرار والوحدة والتقدُّم.

يعتبر الكاتب إن خيار فرض الدولة العلمانية  يقوم على صراع ديني مُتخيَّل جذوره سطحية في الواقع الإجتماعي وإنه محمول على أجنحة الغطرسة والتعالي الفكري لنُخب ترى إن الدولة الدينية هي الخيار القسري المفروض على الشعب السوداني ضارباً المثل بتصريحات (دكتور/ محمد يوسف ودكتور/ محمد جلال هاشم). وهذا نُكران لوجود أزمة حقيقية بسبب الدين في السودان، فهذا ليس مُجرد صراع مُتخيَّل، والشواهد في السودان تؤكِّد ذلك. وهل التحدُّث عن الحقائق والمُطالبة بالحقوق يُعتبر غطرسة وتعالي؟ !!.. الغطرسة والتَّعالي هو وصف حديث (محمد يوسف - ومحمد جلال هاشم) بالغطرسة والتعالي نتيجة لعدم الرغبة في الإعتراف بهذه الحقائق والحقوق.

أما إنتقاده لحصر المُطالبة بالدولة العلمانية في التفاوض بإعتبار إن ذلك من صميم مهام الدستور وإشارته المُبطَّنة  للمؤتمر الدستوري،  فالمؤتمر الدستوري لا يُمكن إعتماده بأي حال من الأحوال كآلية لصناعة الدستور لأنه سيُعبر عن آراء النُخب وليس عامة الناس؛ وسيُعبِّر عن الأحزاب السياسية التي بلغت أكثر من (130) حزباً تم تأسيسها بواسطة المؤتمر الوطني، وهي أحزاب مُستنسخة من الأخوان المُسلمين والجبهة الإسلامية القومية، وإقرار الشريعة الإسلامية لم يتم عبر مؤتمر دستوري بل بقرار رئاسي فوقي في سبتمبر 1983، وبنفس هذا القرار يُمكن إلغاء الشريعة الإسلامية وصياغة دستور جديد وإستفتاء الشعب عليه، فما الصعب في ذلك ؟ ما لم يكن هنالك (شيء في نفس يعقوب) .. !!!.

تطرَّق الكاتب إلى سلبيات الدولة العلمانية بإعتبار إن النظام العلماني ليس نظاماً ديمقراطياً بالضرورة، وإن هنالك أنظمة علمانية إنبنت على أسوأ أشكال الديكتاتورية والشمولية مثل (الصين، الإتحاد السوفيتي، دول شرق أوربا، دول أمريكا الجنوبية، وبعض الدول الأفريقية والآسيوية) - على حد وصفه – والكاتب تعرَّض لنماذج الإنتهاكات والديكتاتوريات في بعض الدول العلمانية في أوربا وغيرها، ولكنه لم يُشير إلى الإنتهاكات الهائلة والديكتاتوريات  في الأنظمة الإسلامية. كما تعمَّد الكاتب الخلط بين النظام الديمقراطي والنظام العلماني بالرغم من وجود فرق بين النظامين من حيث المفاهيم والمضامين في مُحاولة منه لتشويه العلمانية أمام الرأي العام.
هذا الإدِّعاء الهدف منه إنتقاد النظام العلماني بإعتباره لا يلبِّي طموحات المُتطلِّعين إلى التحوُّل الديمقراطي. والديمقراطية كمفهوم مسألة قائمة بحد ذاتها، والعلمانية كذلك، والحركة الشعبية تُنادي بقيام نظام (علماني – ديمقراطي)، بمعنى ان تُطبَّق العلمانية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية. والمُقاربة التي أوردها الكاتب بين النظام العلماني والنظام الديمقراطي هي مُقاربة غير موضوعية – والصحيح أن تتم المُقاربة بين النظام العلماني والنظام الثيوقراطي بإعتبار إن الدولة الدينية هي النقيض للدولة العلمانية وليس الدولة الديمقراطية. والنظام العلماني يُمكن أن يكون ديمقراطي أو ديكتاتوري – ولكن الدولة الدينية لا يُمكن أن تكون غير دولة ديكتاتورية لا تقبل بالرأي الآخر، ولا تعترف بحقوق الآخرين.

إدَّعى الكاتب أيضاً إن أساس الأزمة الوطنية في السودان لا يقوم على صراع بين المجموعات السُكانية على أسُس دينية وإن تاريخ الصراع في السودان لم يشهد أي نوع من أشكال الصراع بين القوى الإجتماعية بفعل حمولة التديُّن، وإنما الأزمة الوطنية ناتجة عن إخضاع الدولة لمصالح فئة مُحدَّدة وفرض هيمنتها على الآخرين. وهذا الإدِّعاء تُكذِّبه الحقائق التاريخية المدعومة بالمُمارسات والإنتهاكات المُوثَّقة القائمة على أساس الدين والتي إرتكزت على فتاوي دينية، ولا يسعنا المجال للتحدُّث عنها في هذا المقال (يمكن الرجوع إلى كتاب : أزمة الإسلام السياسي وضرورة بناء الدولة العلمانية – عادل شالوكا، 2019).

أما في قوله إنه : (لا يرى مُبرِّر لإصرار دُعاة العلمانية على فرضها كخيار قسري لتعريف هوية الدولة السودانيه في الدستور في ظل توفُّر ظروف التعبئة المُضادة من دُعاة  التسلُّط الديني خاصة وان الذهن العام الشعبي مُشكَّل على أن  العلمانية هى النموذج المُضاد للدين والتديُّن).
فالتشويش الذي حدث ويحدُث للشعب السوداني  سببه مثل هذا الخطاب، ومثل هذه الكتابات. فبدلاً عن نقل الشعب إلى رحاب الفكر السياسي المُتقدم الذي أنتجته التجارب البشرية من الواقع المُعاصر، يتم حشد أفكارهم وتشجيعهم على رفض ما يضمن لهم السلام والوحدة والإستقرار والرفاه والتقدُّم.  وقوى الحرية التغيير التي قادت الشعب للخروج والإنتفاضة وإنجاز هذه الثورة العظيمة، قادرة على توعية هذا الشعب وتنويره بمزايا النظام العلماني  وأهميته في تحقيق السلام والإستقرار في السودان، والحفاظ على الوحدة الوطنية  إذا كانت لديهم الرغبة والإرادة  في تحقيق السلام الشامل والعادل، وإستعادة الأمن والإستقرار في السودان. إن لم تكن لهم نوايا أخرى، أو يخشون فقدان إمتيازات تاريخية بقيام نظام علماني يؤسِّس للحرية والعدالة والمُساواة بين السودانيين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين مريـم الأُخــــرى والمجدلية محمد عبد الله شمو

#الطير #المهاجر .. محمد وردي

مقارنة بين السودان و مصر و كينيا و اثيوبيا في بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي للعام 2018 الي 2019م